عثمان بن جني ( ابن جني )
450
الخصائص
كان مثله . فإذا بالغوا وتناهوا منعوه التصرّف ، فقالوا : نعم الرجل ، وبئس الغلام ، فلم يصرّفوهما ، وجعلوا ترك التصرّف في الفعل الذي هو أصله وأخصّ الكلام به أمارة للأمر الحادث له ، وأن حكما من أحكام المبالغة قد طرأ عليه ؛ كما تركوا لذلك أيضا تأنيثه دليلا عليه في نحو قولهم : نعم المرأة ، وبئس الجارية . فإن قلت : فما بالهم منعوا هذين الفعلين التصرّف البتّة ، ولم يمنعوهما علم التأنيث البتّة ؛ ألا تراك أيضا قد تقول : نعمت المرأة ، وبئست الجارية ، وأنت لا تصرّف واحدا منهما على وجه ؟ قيل : إنما حظروا عليهما ما هو أخصّ الأوصاف بهما - أعنى التصرّف - ليكون حظره عليهما أدلّ شيء على حدوث عائق لهما ، وليست كذلك علامة التأنيث ، لأن الفعل لم يكن في القياس تأنيثه ؛ ألا تراه مفيدا للمصدر الدالّ على الجنس ، والجنس أسبق شيء إلى التذكير ، وإنما دخل علم التأنيث في نحو قامت هند ، وانطلقت جمل لتأنيث فاعله ، ولو كان تأنيث الفعل لشيء يرجع إليه هو لا إلى فاعله لجاز قامت زيد ، وانطلقت جعفر . فلأجل ذلك ما اعتزموا الدلالة على خروج هذين الفعلين إلى معنى المبالغة بترك تصرّفهما الذي هو أقعد من غيره فيهما ، دون الاقتصار على ترك تأنيثهما ؛ إذ التأنيث فيهما ليس في الأصل مستحقّا لهما ، ولا راجعا إليهما ؛ وإنما هو مراعى به تأنيث فاعليهما . ويؤكّد ذلك عندك ما رواه الأصمعىّ عنهم من قوله : إذا فاق الشئ في بابه سمّوه خارجيّا ؛ وأنشد بيت طفيل الغنوىّ : وعارضتها رهوا على متتابع * شديد القصيرى خارجىّ محنّب " 1 " فقولهم في هذا المعنى : خارجىّ ، واستعمالهم فيه لفظ خرج ، من أوثق ما يستدلّ به على هذا المعنى ، وهو الغاية فيه . فاعرفه واشدد يدك به . * * *
--> ( 1 ) البيت من الطويل وهو لطفيل الغنوي في ديوانه ص 26 ، ولسان العرب ( خرج ) ، ومقاييس اللغة 4 / 272 ، وكتاب الجيم 2 / 24 ، وتاج العروس ( خرج ) ، ( عرض ) .